السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

حلّية أكل اللحوم المحرّمة عند الاضطرار فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لقد جاء تحريم بعض اللحوم ، حفاظا على سلامة جسد الإنسان وروحه ، فإذا طرأ عليه أمر يجعل الامتناع عن أكل المحرمات موجبا للوقوع في التهلكة كالمجاعة مثلا ، فإنّ اللّه أباح له في هذه الحالة ما حرّمة في الحالات الطبيعية ، للغاية ذاتها الّتي كان التحريم من أجلها . وذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أنّ هناك وجهين محتملين فيه : أحدهما : أنّ معناه غير مائل لإثم ، أو متعمّد له أو مختار أو مستحلّ . وذلك بأن يكون القيد قيدا توضيحيا لأنّ معنى الاضطرار يوحي بكل هذه المفاهيم . وثانيهما : أيّ غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية ، وذلك بأن يكون الاضطرار في ظروف عاديّة لا أثر فيها للأجواء المنحرفة الّتي تتحرك في طريق البغي والتمرُّد والعدوان ، وذلك من قبيل الاستيحاء للآية الكريمة : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 173 ] لورودهما في سياق واحد ، وبذلك تكون الإباحة لغير هذه الفئة ، فمن اضطر في مثل هذه الأجواء فلا رخصة له ، ولكنّه يتناول هذه المحرمات ارتكابا لأخفّ المحذورين ، بحكم العقل الّذي يدفعه إلى ذلك . وبعد الحديث عن المحرّمات ، جاءت الآية الثانية لتتحدث عمّا أحلّ اللّه للمؤمنين ، وذلك من خلال سؤال تقدموا به للنبيّ صلى اللّه عليه واله وسلّم ، لينطلقوا على أساس قاعدة شرعيّة واضحة ، فسألوه : ماذا أحلّ لهم ؟ وكان الجواب عاما لا تحديد فيه للتفاصيل بل للمبدأ ، فاللّه قد أحل للإنسان كلّ طيّب : قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ لأنّ التحريم لم ينطلق كعقوبة للإنسان بل لمصلحته . أمّا تحديد ما أحلّ لهم بالطيب ، فللإيحاء بطبيعة الخصائص الكامنة في كل ما أحلّه اللّه